لتبق على اطلاع أينما كنت

إضاءة على المركز القانونيّ للسوريّين في تركيا

• كلنا سوريون – المحامي: غزوان قرنفل

على الرغم من مضي أكثر من ثلاث سنوات على بدء تدفّق السوريّين هرباً من مدحلة الموت اليوميّ الذي تمارسه بحقّهم سلطة العصابة وأدواتها، فإنّ وضعهم ما يزال ملتبساً ومركزهم القانونيّ ما يزال حائراً بين ضيف ولاجئ.

لقد اتّسم وضع السوريّين القانونيّ في تركيا بالكثير من الإرباك الذي يكتنفه الكثير من الغموض وندرة المعلومات التي يمكن التحصّل عليها من الجهات الحكوميّة والأمنيّة حول المترتّبات القانونيّة ومساحة الحقوق التي يتمتّع بها السوريّ (الضيف) في تركيا، خصوصاً في ظلّ الكثير من التناقض في التعاطي مع قضايا السوريّين اليوميّة كالتعليم والطبابة وغيرها من مدينة إلى أخرى رغم أنّ الجميع (ضيوف) وفق التصنيف الحكوميّ لهم.

لم يكن ممكنا أن تصنّف السلطات التركيّة السوريّين المقيمين على أراضيها كلاجئين وأن تمنحهم هذا المركز القانونيّ الذي تندرج تحته الكثير من المترتّبات والمسؤوليّات، ذلك أنّ تركيا التي وقّعت معاهدة جنيف الخاصّة بوضع اللاجئين والمعتمدة بتاريخ 28\7\1951 – والتي هي الوثيقة الوحيدة دوليّاً التي تعرّف من هو اللاجئ وما هي حقوقه في الدولة التي لجأ إليها واستقبلته – قد قيّدت توقيعها على تلك المعاهدة بنوعين من القيود، أوّلهما تاريخيّ أو زمنيّ وثانيهما جغرافيّ.

بمعنى، أنّها في النطاق الزمنيّ لا تعترف ولا تمنح صفة اللاجئ إلّا للأشخاص الذين أصبحوا لاجئين كمحصّلة لأوضاع حصلت قبل العام 1951 وفي أوروبّا (حصراً) وأنّها بالتالي قيّدت النطاق الجغرافيّ في القارة الأوربّيّة فحسب، لكنّها عندما وقّعت مرّة أخرى البروتوكول الخاصّ بوضع اللاجئين والصادر بتاريخ 4\10\1967الملحق بالمعاهدة، فإنّها تكون قد ألغت القيد المتعلّق بالنطاق الزمنيّ، لكنّها أبقت على القيد المتعلّق بالنطاق الجغرافيّ، فلا صفة لاجئ لأيّ قادم لتركيا من غير الدول الأوروبّيّة حصراً.

أمّا أولئك (اللاجؤون) من غير الأوربّيّين (كالعراقيّين والأفغان والصوماليّين وغيرهم) فيمكننا مجازاً تسميتهم بـ (اللاجئين الترانزيت) بمعنى أنّهم في تركيا ليسوا لاجئين بالمعنى القانونيّ ومترتّباته التي نصّت عليها معاهدة جنيف، وإنّما هم أشخاص يخضعون للحماية التركيّة ويصنّفون (كلاجئين بشروط) وفق ما نصّت عليه المادّة 62\2 من قانون الأجانب والحماية الدوليّة التركيّ، حيث تمنحهم السلطات التركيّة وضعاً خاصّاً وتقوم بتسجيلهم لديها ضمن قوائم وجداول أمنيّة، فضلاً عن تسجيلهم لدى المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة، لحين توفّر بلد لجوء لهم يقبل استقبالهم وتوطينهم، وهذه الفئة يُمنحون بطاقات هويّة خاصّة، وتقدّم لهم الخدمات التعليميّة والصحّيّة ويُمنحون أذونات عمل، لكنّهم مقيّدو الإقامة في عدد محدّد من المدن، ليس من بينها المدن الكبرى كأنقرة وإسطنبول وإزمير، ويتعيّن عليهم اثبات وجودهم أمام دوائر الشرطة أسبوعيّاً في المدن التي يقيمون فيها.

وبخلاف ما تقدّم، فإنّ كلّ شخص لا يندرج ضمن الصنفين السابقين، مهدّد بخطر العنف أو الموت أو التعذيب، في حال عاد أو أُعيد لوطنه فهو يخضع لما يسمّى بـ (الحماية الثانويّة) وفق أحكام المادّة 63\1 من قانون الأجانب والحماية الدوليّة التركيّ الآنف الذكر.

إنّ المعضلة التي يواجهها السوريّون الآن في تركيا، أنّهم لا يندرجون ضمن أيّة فئة من الفئات الثلاث، لأنّ ما سبق بيانه وتفصيله يُمنح للأفراد وليس للجماعات أو المجموعات البشريّة، فالحكومة التركيّة لم تعترف بالسوريّين على أراضيها كأفراد لاجئين إليها بل (كتدفّق جمعيّ للاجئين) ولهذا فهم ليسوا تحت أيّ بند من بنود الحماية، واكتفت السلطات أن أسبغت عليهم صفة (الضيوف) ومنحت من لا يرغب منهم، الإقامة بالمخيّمات إقامة استثنائيّة اصطُلح على تسميتها (إقامة بإذن وزاريّ) لكنّ هذا النوع من الإقامة لا تمنح حاملها مركزاً قانونيّاً واضح المعالم والحقوق، يُتيح له التحصّن فيه أمام أيّة استحقاقات، كالتي واجهها الكثير من السوريّين في حمأة التوتّرات التي نشأت في الأشهر الأخيرة بين بعض الأتراك وبعض السوريّين وصارت تطفو على السطح نتيجة اختلاف المفاهيم وطرائق العيش، دون أن نتغافل عن الدوافع السياسيّة لبعض القوى المعارضة التي احتسبت السوريّين على خصومها السياسيّين في إدارة البلاد وأخذت تنفخ في الكير لتسعير لهيب الاحتجاجات على تواجد السوريّين في تركيا.

ثمّ جاء توقيع تركيا لاتّفاقها الأخير مع الاتّحاد الأوروبّيّ أواخر العام 2013 ليضع السوريّين أمام استحقاقات لم تكن واردة في حساباتهم، خصوصاً أولئك الذين يبحثون عن وسيلة للوصول إلى الضفّة الأوروبّيّة وطلب اللجوء في دولها، ذلك أنّ الاتّفاق نصّ على السماح لدول الاتّحاد الأوروبّيّ بإعادة اللاجئين غير الشرعيّين الذين وصلوا إليها من تركيا، في مقابل إعفاء الأتراك من تأشيرة دخول دول الاتّحاد بحلول العام 2017.

وتبعاً لذلك، استحدثت السلطات التركيّة دائرة الهجرة ونقلت اختصاص منح الإقامة غير السياحيّة للسوريّين إليها، بعد أن كانت تصدر من دائرة “الأمنيّات” وارتبطت ملفّات طالبي الإقامة من دائرة الهجرة التركيّة (بما فيها البصمات الإلكترونيّة) ببنك المعلومات الأوروبّيّ، بحيث يسهل عليها التثبّت من أنّ طالب اللجوء فيها والواصل إليها بالسبل غير الشرعيّة، كان مقيماً في تركيا، وبالتالي يحظى بالأمان الشخصيّ أم لا، ما يُتيح لها إعادته لتركيا وفق مندرجات تلك الاتّفاقيّة.

أمام هذا الوضع القانونيّ الشاذّ للسوريّين في تركيا، حيث لا يُمنح صفّة اللاجئ وفق أحكام اتّفاقية جنيف ولا يصنّف من (اللاجئين بشروط) ولا تُسبغ عليه (الحماية الثانويّة) وبذات الوقت لا يستطيع اللجوء إلى أوروبّا والوصول إليها بطريقة غير شرعيّة من تركيا، إن كان ممّن حصل على الإقامة الحديثة فيها، لأنّه سيعاد إليها. ونعود إلى التساؤل ما هو المركز القانونيّ للسوريّين في تركيا ؟!.

لعلّ نوعية الإقامة التي ستصدر للسوريّين – من غير الراغبين أو القادرين على استخراج الإقامات السياحيّة التي يعجز الكثير منهم عن الوفاء بمتطلّباتها وشروطها – والتي سُمّيت اصطلاحاً بإقامة (لاجئ إنسانيّ) والحقوق المرافقة لها، تشي ببعض ما يمكن البناء عليه في عمليّة توصيف أكثر دقّة لوضع السوريّين القانونيّ في تركيا؛ واستطراداً، ما ينطوي عليه هذا التوصيف من التزامات وحقوق يتعيّن علينا التنقيب عنها والعمل على تظهيرها، فإنْ لم يكن ممكناً العمل على تصنيف السوريّين كلاجئين وفق ما هو مقرّر بالاتّفاقات الدوليّة الخاصّة باللاجئين لما يستلزمه ذلك من تعديلات تشريعيّة تستتبعها إلغاء للتحفّظات التركيّة على معاهدة جنيف الخاصّة بوضع اللاجئين والمتعلّقة بالنطاق الجغرافيّ الآنف تفصيله، فإنّ العمل على تصنيف السوريّين ضمن فئة (اللاجئين بشروط) حيث يُتاح لهم حقّ تسجيل أنفسهم ضمن قوائم طالبي اللجوء لدى المفوضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، فضلاً عمّا يتمتّعون به من مزايا تقارب ما يتمتّع بها اللاجئ، ريثما تجد لهم المفوضيّة بلداً يقبل استقبالهم وتوطينهم بديلاً عن زوارق الموت.

يبقى هذا هو الحدّ الأدنى الذي يتعيّن على مؤسّسات المعارضة، وعلى نحو خاصّ منها المكتب القانونيّ بالائتلاف المعارض ووزارة العدل في الحكومة المؤقّتة العمل عليه مع السلطات التركيّة المضيفة.

 

اترك رد