لتبق على اطلاع أينما كنت

ذكريات ونفحات من رمضان الدولة العثمانية

كان شهر رمضان يُستقبل  في العهد العثماني، بحماسة من قبل العامة والسلاطين، وكان الجميع يحاول استغلال أوقاته المباركة في كسب الثواب والأجر، حيث كانوا يستقبلونه بحرارة كقدوم الصديق الغائب لفترات طويلة.

يحرص السلاطين العثمانيون على تجميع العلماء حولهم ليومين من كل أسبوع في رمضان، لتلاوة القرآن وتفسيره. وبلغ عدد العلماء المجتمعين 15 عالما، وكان لهم كبير يُسمي “مُكرر” وكان الباقين يرددون من خلفه، كانت هذه الدروس تستمر لمدة لساعتين، وكانت تعطى، بشكل عام، في وقت الظهيرة.

بدأت هذه الدروس تُعطى في زمن السلطان العثماني الأول “الغازي عثمان” واستمرت إلى أن أصبحت رسمية في زمن “مراد الرابع” الذي أمر العلماء بإلقائها في المساجد أيضا.

طقوس خاصة
يقدّم العثمانيون في شهر رمضان أنواع المشروبات من خلال صنابير السبيل الموجودة في الميادين الرئيسية، كما كانت هناك الكثير من العزائم تقام خلال الشهر الكريم، وكان الخلفاء العثمانيون يرسون جوا جميلا خاصا برمضان لترسيخ بركته وخيره.

حرص العثمانيون الأوائل على تنظيم دروس دينية وجلسات قرآنية من خلال استقبالهم للعلماء والقرّائين في القصور. أما العامة، سواء كانوا من الفقراء أو الاغنياء، فيحرصون على إفطار صائم لمدة 3 أيام كحد أدنى، أي كان يفكر كل شخص منهم بأنه “يجب أن يحضر ضيف كل أسبوع على بيته ليشاركه طعام الإفطار”.

ويذكر المؤرخ الفني “طلحة أوغورلو إيل” بأن الدافع الرئيسي لهذه العادة هو الحديث الشريف القائل “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه”.

أمور كثيرة يطبّقها العثمانيون لمنع التفريق بين الغني والفقير في موائد الإفطار؛ إذ كان العثمانيون يحرصون جدا على عدم حدوث تفرقة طبقية بين الأغنياء والفقراء، ولمنع هذه التفرقة كانوا يضعون على كل مائدة عامة إسما من أسماء السور المباركة للقرآن الكريم، مثل مائدة ياسين أو مائدة تبارك أو مائدة البقرة ..إلخ.

كما كانت تكتب أسماء الناس المدعوة على ملاعقهم وتضع هذه الملاعق بسلة تكون هذه السلة خاصة بمائدة معينة ويتم تصنيف الأسماء بشكل متعمد يُحضر الغني مع الفقير معا.

 وكان صاحب البيت يستقبل ضيوفه بهذه السلة التي يأخذ كل ضيف ملعقته منها بعد قراءة اسمه عليها، كما كان يكتب اسم المائدة فوق الملعقة لذا كان كل ضيف يجلس حسب اسم المائدة الموجود فوق المعلقة؛ وبهذا الشكل كان يُقضى على التفرقة الطبقية.

وكانت الملاعق خشبية ومع الزمن تصبح عتيقة، ولحساسية العثمانيين الدينية كانوا لا يرمون الملاعق بل يأخذوها ويحرقوها بعناية وبعد ذلك يدفنون رمادها تحت جذور الورود في الحدائق.

موائد الميادين
الميادين، في العهد العثماني، كانت لها أهمية عالية، يُذكر أنه كان يتم تنظيم تحضيرات فعالة في الميادين الكبيرة، مثل ميدان بايزيط، جيمبرلي تاش، سلطان أحمد، وكان الناس في رمضان يتجمّعون في مكانين أساسيين هما الجوامع والميادين.

في الميادين، كانت توضع موائد طعام كبيرة، وكان هناك الكثير من الأغنياء، وعلى رأسهم السلطان، يساهمون في دعم هذه الموائد، وكانت صنابير المياه في الشوارع تضخ بدلا من المياه مشروبات عثمانية، مثال على ذلك، المشروبات التي كان يتم ضخها من صنابير ميدان السلطان أحمد عام 1898.

إفطار في منازل الضيافة
مع بداية رمضان، تتزاور وتتهادى العوائل التركية بإسطنبول، بما كان يُسمى “طبق الدار”، وكان كل شخص يدعو أقرباءه وأحبابه إلى بيته لتناول وجبة الإفطار، وكل مواطن عثماني كان يكرم ضيفه حسب قدرته.

وتتم تحضيرات كبيرة من أجل الإفطار في منازل الضيافة الخاصة بالكبار من حيث السن والقدرة، وكان يتخلل هذه التحضيرات موائد كبيرة ومزينة، كما كانت هذه الموائد تُجهّز في منازل الضيافة الخاصة بالكبار، وكانت تنظّم أيضا في منازل المدراء والكتّاب وغرف الأئمة والخطباء، وكان يتم قبول الضيوف القادمين إلى هذه الغرف حسب رتبهم في الدولة.

أصحاب الخانات (الفنادق) يعرضون في رمضان على نازليهم أجود الموائد الرمضانية، التي كانت تحتوي على أرغفة الخبز الناعمة وكانت تقدم العديد من المربيات المصنوعة من الفواكه المُقدمة على صينيات فضية كما كان يقدم الجبن، واللحوم المفرومة، والتمر، وجميع أنواع الزيتون الفاخرة، وكان يتخلل الموائد مياه زمزم المُحضرة من مكة مكرمة، وكانت هذه الواجبات تُجهّز في طبقات فاخرة وكان يوضع بجانبها معطفا نظيفا وإناء فيه ماء لغسل اليدين بعد الانتهاء من الطعام.

إضافة الى ذلك، تفوح روائح البخور معطّرة الأماكن، فكان يوقد البخور ويوضع في زاوية مناسبة لغرف الضيافة لتكوين جو لطيف للضيوف.

أصحاب البيوت، وغرف الضيافة يستقبلون ضيوفهم، وبعد أخذ جميع الضيوف أماكنهم يقوم الإمام بقراءة  بعض الأيات من القرآن إلى أن يحين موعد أذان المغرب.

 يستمع الضيوف للآيات القرآنية بصمت وتستمر قراءة القرآن إلى أن يرمي مدفع رمضان، بعد ذلك يقوم الضيوف بالإفطار بشرب مياه زمزم، ويشرعون بتناول طعام الإفطار، في هذه الوجبات الغنية كان يوجد نوعين من الحساء وبيض مسلوق وثلاث أنواع من الحلويات ونوعين من المعجنات وعصائر باردة وبعض أنواع الخضروات، ومن الحلويات التركية المشهورة التي تزيّن الموائد الرمضانية هذه؛ بقلاوة وسامسا ورافاني وبعض السكريات.

موائد إفطار جماعية
وتعتبر من أهم الخصائص التي يتميز بها شهر رمضان في العهد العثماني؛ يمكن لأي شخص الذهاب للإفطار الذي يقدمه القصر العثماني خلال شهر رمضان، كما كانت هناك دعوات خاصة  تُقدم من القصر إلى ضيوف معيّنين إذ كان السلطان، في الأيام العشر الأوائل من رمضان، يدعو النبلاء ووجهاء الأقاليم لتناول الإفطار معهم بشكل خاص.

وكان رجال الدولة الكبار والأغنياء يدعون ضيوفهم للإفطار بشكل خاص، ويقومون بتقديم وجبات إفطارهم إلى الضيوف عابري السبيل أيضا، وكانت موائد الإفطار عامرة لا يُرد منها أحد، وقبل أن يخرجوا من غرف الضيافة تقدّم لهم “أُعطيات” من الأغنياء وأصحاب بيوت الضيافة الكبار. بعدها، يجلس الضيوف إلى وقت أذان العشاء وخلال هذا الوقت كانوا يشربون قهوة كواجب ضيافة أخير.

صلاة التراويح 
يؤدي الأتراك في منازل الضيافة صلاة الفجر والمغرب والعشاء، ويتميّز شهر رمضان بجلب أئمة لهم صوت جميل وخاشع، وكان يُجهّز مكان مبخّر برائحة العنبر مخصّص للصلاة.

يقف المؤذن في بيوت الضيافة بالصفوف الخلفية، وكان بين كل 4 ركعات يقوم بقراءة بعض الأدعية والآيات القرآنية، وفي آخر الصلاة يقرأ الإمام بعض الآيات القرآنية بصوت جميل وعال وبهذا الشكل كانت تُنهى صلاة التراويح.

السحور 
تتميز بيوت الضيافة في الدولة العثمانية بأنها توفّر لكل شخص يقيم فيها سحورا بحسب قدرة “المضيف”، وكان السحور بشكل عام يحتوي على كفتة ولحمة ومعكرونة وبعض الحلويات مثل الرز بالحليب والبلوظة وبعض المربيات كما كان هناك بعض أنواع الخضروات.

ولأن الأطفال كانوا يحبون الاستيقاظ للسحور، كان رجال الدولة الكبار المقيمين في منازل الضيافة يوصون أمهاتهم وآبائهم بإيقاظهم.

وكان الكثير من الفقراء يأتون إلى منازل الضيافة لتناول طعام السحور، وكانوا يُستقبلون أحسن استقبال ويجلسون في أماكنهم المخصّصة لهم من قبل لتناول وجباتهم الخاصة بهم.

صيام الأطفال
في رمضان، يُقدم الكثير من الهدايا للأطفال الذي يصومون للمرة الأولى في مختلف أنحاء بلاد الأناضول، وهو ما يعد تشجيعا للأطفال على الصيام عن طريق إعطائهم بعض النقود أيضا، وكان الأطفال الصغار جدا الذين لا يستطيعون الصيام لفترات طويلة يصومون لوقت الظهر فقط، وكان يُسمى صيامهم “صيام القارب الصغير”.






– تركيا بوست

اترك رد