لتبق على اطلاع أينما كنت

ضيافة الحلقوم والملبن في “عيد السكر”

ترتبط الحلويات بالمناسبات السعيدة السارة ، ومنذ القدم جرت العادة بأن تزدحم أصناف الحلويات في المنازل إكراماً للضيوف والمعايدين وتعبيراً عن الفرحة التي تغمر الصغار والكبار بالعيد، حتى أصبحت حلويات العيد وأصنافها المتعددة واحدة من مظاهره الراسخة التي تلوّن اللقاءات العائلية والجلسات الإجتماعية لإضفاء مزيداً من الحلاوة بطعم ومذاق النكهات المتعددة على العيد.
فقد كان يُطلق على عيد الفطر السعيد في “الأستانة” في عهد الدولة العثمانية “عيد السكر”، لأن الإنسان خلال أيام العيد لا ينفك عن تناول مختلف أنواع الحلويات.
وعادة تقديم الحلوى في العيد هي عادة قديمة جداً ويمكن التعرف على قِدَمِهَا من خلال ما كتبه الرحالة المؤرخ الشيخ عبد الجواد القاياتي في سياق وصفه للعيد في بيروت عام 1880 بقوله: “إن من عوائد أهلها أن يزوروا بعضهم بعضاً في بيوتهم فيقدمون للزائر شيئاً من الحلوى على صينية صغيرة في يد الخادم إما من الحلواء اليابسة الجافة وإما من الحلواء الرطبة المسمّاة مربى”…
ومن الحلوى التي درجت العادة تقديمها وضيافتها للزائرين خلال أيام العيد: الفاكهة المجفّفة، الملبس، الملبن والنوغا، وراحة الحلقوم، قبل أن تُدرج ضيافة حبات الشوكولا في عصرنا الحديث.

الفاكهة المجفّفة
اشتهر الدمشقيون ومنذ القديم بتفنّنهم في صنع المجففات الغذائية، بخاصة المحضّرة من الثمار الصيفية التي تزرع أشجارها بكثرة في غوطة دمشق، ومنها المشمش والكرز والدراق والتين والعنب وأنواع عديدة أخرى، درج الدمشقيون على تجفيفها في الصيف وبأشعة الشمس سابقاً حتى يستهلكوها في فصل الشتاء بحالتها المجفّفة المخزنة، ولذلك أطلقوا عليها اسم: (حطب الشتاء) حيث تواكب الدمشقيين في سهرات الشتاء ولياليه الباردة فتبعث الدفء في الجسم لاحتوائها على الطاقة والسكريات، كما أنها تبعث الراحة في النفس لمذاقها وطعمها اللذيذ.

راحة الحلقوم
راحة الحلقوم هي حلوى قديمة لها مكانة خاصة عند الأتراك منذ مئات الأعوام، وهي الحلوى المنزلية الأولى منذ القرن الخامس عشر، وكانت حلوى الملوك والسلاطين أيام الإمبراطورية العثمانية.
وتعود هذه الحلوى اللذيذة للعام 1777، وتُعرف بتركيا بإسم “اللوكوم” ويسميها العرب “الحلقوم”. ويعترف الأتراك أنهم مدينون “للحاج بكير” الذي إبتكر هذا النوع من الحلوى التي تربعت على عرش قلوب الملوك والسلاطين قديماً وما زالت حتى اليوم في قلوب الأتراك بلذتها الخرافية.
وراحة الحلقوم كانت تُصنع قديماً من العسل والدبس، أما اليوم وبعد أن أصبحت رائجة عالمياً فصارت تصنع من النشاء والسكر، كما أُضيفت اليها عصائر الفاكهة والمنكهات كالزعفران وماء الورد والمستكة وتُحشى بالمكسرات ويرش عليها برش جوز الهند والسكر الناعم.
وتُفيد التقارير الطبية أن لراحة الحلقوم فوائد صحية بفعل كمية الكربوهيدرات الكبيرة التي تحتويها والتي تنظم عملية طرح السموم من الجسم.
وسبب تسميتها براحة الحلقوم يروى بأن المسنين الذين فقدوا أسنانهم كانوا يتناولونها من دون أية صعوبات، بمعنى أن أكلها كان مصدر راحة للحلق فانسحبت التسمية إلى راحة الحلقوم.

النوغا
أما النوغا فهي مغربية الأصل والمنشأ وتُسمى “حلوى مولاي إدريس”، أي انها تحمل إسم مؤسس مدينة فاس مولاي إدريس الثاني. فمدينة فاس تُعد الموطن الأصلي للنوغا حيث تنتشر فيها الدكاكين الصغيرة التي تُباع فيها النوغا.
والنوغا تحضر بخفق بياض البيض حتى ينضح كالثلج ثم يصبّ عليه القطر بالتدريج مع التحريك إلى أن يُصبح الخليط متماسكاً، فيُضاف إليه ماء الزهر والمستكة الحرة لإعطائه النكهة، ثم يُضاف إليه الفواكه المجفّفة أو المكسرات بحسب الطلب ويُصب الخليط في قوالب ويترك لساعات حتى يتجمّد، وبعدها يُقطّع إلى مربعات صغيرة ويُصبح جاهزاً للتذوّق.

الملبس
ونأتي إلى الملبس الذي يعتبر حلوى الأفراح والأعياد وهو لذيذ المذاق وصغير الحجم، بحجم اللوز، الذي هو المكوّن الرئيسي له. فالدمشقيون الذين إبتكروا هذا النوع من الحلوى ألبسوا حبّات اللوز بشكل فني ومتقن بالسكر ورشوه بماء الورد، ليتحول إلى ضيافة أنيقة في المناسبات السعيدة.
وتُعد صناعة الملبس صناعة قديمة إشتهر بها الدمشقيون وإبتكروا عدة أنواع وأصناف منه كملبس اللوز والفستق والشوكولا، وتفننوا بطرق التلبيس فأضافوا لها الألوان كالزهري والأزرق إضافة إلى الأبيض، فضلاً عن النكهات العطرية.
وتتم عملية التلبيس بعد تحميص اللوز الذي يوضع في أوان نحاسية ويحمّى بطبقة رقيقة من السكر على نار هادئة وبعدها يبرد ويعبأ بصرر أو بعلب فضية وخشبية مزخرفة معدّة للضيافة.
أما عن إنتقال الملبس بآسم “Dnagen” إلى أوروبا، فتُشير المرويات أن صحافيين هولنديين أجروا تحقيقاً عن الملبس الدمشقي، وبعد فترة عادوا كتجار وطلبوا خبيراً دمشقياً أخذوه معهم ليصنع لهم الملبس في هولندا.

اترك رد