لتبق على اطلاع أينما كنت

تركيا العاجزة.. مستشفيات الموت وجبال القمامة

صرّح أردوغان قبل أيام قائلا إنه “من الممكن أن نسمع عن ظلم تعرّض له الأتراك خلال فترة ما قبل التسعينات، لكن تمكّنت تركيا خلال الفترة الماضية من النهوض، ولم يعد هناك مكان لتلك الأحداث في تركيا الجديدة، يجب علينا أن ننجح في بناء تركيا الجديدة بقوة وعزم، وحين ننجح في هذا فإننا لن نقع في فخ الأعداء، فنحن الآن لسنا في تركيا التسعينيات”.

يتساءل الإنسان البسيط، والمتابع للشأن التركي؛ كيف وصلت تركيا إلى ما وصلت إليه من تطور في مختلف المجالات، وكيف استطاعت تخطي تلك الأيام –أيام تركيا القديمة، الأيام السوداء- والوصول إلى ضفاف الدول المتحضّرة؟.

كيف كانت تركيا في التسعينيات؟ دعونا نتذكّر بعض مشاهدها

يرتبط ذكر سنوات التسعينات لدى الأتراك: بالعنف، والصراع، وحرق القرى وإخلاء أهلها، وانتشار الظلم وأعمال الجريمة، وكثرة المفقودين وامتلاء السجون ومجاعات كثيرة في البلاد. ذكرى ارتبطت بمخططات الدولة العميقة و محاولات حزب العمال الكردستاني للسيطرة على البلاد دون جدوى، مسببين أعمال عنف وإرهاب أخرى.

تركيا القديمة، تركيا في فترة التسعينيات وما قبلها، دولة لا تستطيع اتخاذ قراراتها المصيرية بنفسها، ولا قيمة لها في المجتمع الدولي، دولة فقيرة عانت حد الاختناق من الديون، في وقت وثّقت علاقاتها مع إسرائيل بكل قوة حتى إن الحكومة التركية في ذلك الوقت باتت فخورة بمساعدة اللوبي اليهودي لها.

لكم أن تتخيّلوا هشاشة الموقف وغرابته: في تلك الفترة شُكّلت في تركيا إحدى عشر حكومة خلال عشر سنوات فقط! فالإرهاب بدأ تصعيده بين عامي 1992 و1993 وكان أكثر دمويا للقوات المسلحة التركية، استُشهد حينها الكثير من الجنود في صراع الإرهاب.  ألا يدل هذا على الفشل، وعدم الاستقرار، وضعف البلد، وضياعه؟ في هذه الأجواء وفي ظل هذه الظروف الصعبة التي مر بها الشعب التركي لم يفارق الأتراك الأمل والشوق لحكومة مستقرة وقوية.

تركيا القديمة تلك الدولة التي كانت تحتاج لدول أخرى تمكّنها من الوقوف على قدميها كانت تعاني من نقص شديد في أبسط مقومات الحياة بمجالات الصحة والتعليم والأمن والخدمات العامة؛ في وقت مر فيه النظام بفوضى عارمة غابت فيها أبسط مقومات النظام.

مستشفيات الموت

عدد الأسِرّة في المستشفيات للمرضى قليل جدا، وخدمات معدومة، يتكدّس المرضى على أسِرّة المستشفى وينام كل شخصين على سرير واحد وسط طوابير المرضى.

في تركيا القديمة يموت الأتراك في المستشفيات بسبب تدهور حالاتهم الصحية وافتقار لمؤسّسات الحماية والرعاية الصحية ولأبسط مقومات الصحة والسلامة العامة، حتى كان الأتراك يذهبون للمستشفى منتظرين دورهم في “الموت” لا في العلاج!

هل هناك ما هو أقسى من الموت؟ نعم! هو ذلك الموقف الذي كانت فيه المستشفيات تحتجز المرضى والمواليد الجدد كـ”رهائن”! يأتي المريض لإجراء عملية جراحية أو أُم لتلد مولودا جديدا، تسير الأمور ضمن سياقها المعتاد وعند انتهاء إجراءات العملية تكتشف المستشفى أن الشخص الذي أُجريت له العملية لا يملك أجور العملية، وهو ما يدفع بالمستشفى لاحتجازه كرهينه!

هو ليس فلما هوليوديا يجسّد دولة الغاب بما فيها من وحشية، هي تركيا القديمة حيث كانت المستشفيات تُبقي مرضاها في المستشفى مثل الرهائن لأنهم لا يستطيعون دفع أجور عملياتهم!

هذا المشهد يكفي لملئ تاريخ تركيا القديمة عاراً: أم تُركية من عائلة فقيرة تلد طفلها في إحدى المستشفيات التركية، لا تملك أجور العملية، تُجبرها إدارة المستشفى –بل إدارة السجن إن صح التعبير- لترك طفلها في المستشفى حتى  سداد ما عليهم من أجور العملية!

هذه قصة لآلاف الحالات التي كانت فيها مستشفيات تركيا القديمة تُهدّد العائلات التي لا تملك إمكانية سداد أجور عمليات الأمهات بأرسال أبنائهم إلى دار الأيتام، عوائل تركية كثيرة بقيت مكتوفة الأيدي أمام غياب خدمات الدولة البسيطة وجشع مستشفيات كان يجب أن تكون هي دار العطف واحتواء لمرضى وأمهات يلدن أبناء الوطن بحب وحنان.

مشاهد من تركيا القديمة

مدارس تركيا القديمة بصفوف صغيرة لا تستوعب أعداد الطلاب، وصفوف لا تعطي للطالب قيمته. وزير التعليم حينذاك وبتفكيره العبقري كانت توجيهاته لعامة الشعب بأن “لا تنجبوا الأطفال! لا نستطيع أن نوفّر صفوفا جديدة في المدارس”!

“حرية التعبير” بالنسبة لتركيا القديمة تُعد مسبَة واستخفافا للمحافظين وللشعب المسلم، في وقت تعتبر فيه العلمانية أساس الدولة و”عظمتها”! سنوات عديدة مرّت والمفكرون “العلمانيون” يحاولون هدم معتقدات الشعب وتغيير انتماءاتهم الدينية.

تركيا القديمة التي كانت أكثر من ظَلَم الأكراد في تركيا وعموم المنطقة بتعذيبهم لأتفه الأسباب، كتلك المتعلقة باللغة التركية والانتماء القومي! ظُلْم الشرطة التركية في تلك الفترة وصل حد أن تداهم عناصر الأمن بيوت الأكراد في الشرق التركي وتحرق كتبهم ووثائقهم باللغة الكردية، إضافة لانتهاكات أخرى تتعلق بالقومية والانتماء العرقي.

جبال القمامة.. تنفجر

جبال القمامة، والمياه المقطوعة؛ مشاهد تلازم تركيا القديمة بمحطاتها المختلفة. هل سمعتم بمزبلة “حكيم باش” بإسطنبول؟ تلك المزبلة الممتدة على مساحة ضخمة بإسطنبول تقدّر بـ 350 ألف متر، حيث كان يجمع فيها 2300 طن من القمامة يوميا.

تسبّب غاز الميثان المتجمّع تحت أنقاض القمامة، وعدم معالجة المكان وتنظيفه، بانفجار كبير في 28 نيسان 1993 في الساعة 10.00 صباحا. وكان السبب وراء الانفجار هو تحليل البكتيريا للمواد العضوية الناتجة عن القمامة وإنتاجها لغاز الميثان الذي تجمّع ثم انفجر. فأدى الحادث إلى دفن منطقة سكنية فقيرة فوق المزبلة. وكانت النتيجة هي الوصول إلى 27 جثة وفقدان 12 إنسان.

حدث الانفجار المضحك المبكي بسبب عدم أخذ الاحتياطات الكافية. وانهالت القمامة على المنازل المجاورة للمزبلة. فمات بعض الناس قبل أن يفهموا ما الذي جرى وجرح عشرات منهم.

بعد الانفجار الكبير قام أقارب الموتى والجرحى برفع قضايا تعويض، لكن الجهات الحكومية في تركيا القديمة رفضت أغلب هذه القضايا بسبب قيام أصحابها ببناء بيوت غير مرخّصة واعتبر الخطأ منهم وتم تعويض البعض بمبالغ قليلة جدا. كما بقي هؤلاء الذي يطالبون بحقهم ينتظرون نتيجة القضايا التي رفعوها لسنوات طوال.

مشاهد وحكايات مؤلمة ووثائق كثيرة لما حصل في تركيا القديمة التي يسعى الأتراك في تركيا الجديدة لنسيانها. في تركيا الجديدة حيث تفتّحت الزهور بأروع صورها وحلّت بدلا من “مزابل” تركيا القديمة.

.

.

.

 – زهراء كرمان خاص تركيا بوست

اترك رد