لتبق على اطلاع أينما كنت

الحكومات التركية .. من أتاتورك إلى أرودوغان

ترتقب الأوساط السياسية التركية بحذر موعد إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة المزمع عقدها في الأول من نوفمبر المقبل، ومعها يترقب غالبية الشارع التركي نتائج هذه الانتخابات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة، لاسيما في ظل التعقيدات الراهنة في تركيا داخلياً وخارجياً، حيث لم يستطع حزب العدالة والتنمية الحصول على النسبة الكافية لتشكيل الحكومة في انتخابات يونيو الماضي، وفشل أيضًا في التوافق على تشكيل حكومة ائتلافية، مما ترتب عليه الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة ستنطلق بعد أيام قليلة، حيث تعتبر الانتخابات حاسمة لحزب العدالة والتنمية بعد 13 عاماً  من الحكم.

بدأت مسيرة الحياة السياسية الإنتخابية في تركيا مع بداية الجمهورية التي أسسها “مصطفى كمال أتاتورك” بتاريخ 29 تشرين الأول، حيث كانت بدايتها موفقة مع فترة “الحزب الواحد” والتي استمرت منذ تأسيس الجمهورية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1946، بقيادة “الحزب الجمهوري الشعبي” و حكوماته.

هذا الإستقرار السياسي لم يستمر طويلاً، سواء كان بسبب المشاكل الداخلية للحزب أو الإضرابات الخارجية التي جاءت مع الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تشكيل أحزاب سياسية أخرى إلى جانب الحزب الجمهوري الشعبي، و هو “الحزب الديمقراطي”، هنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ السياسة التركية؛ و أصبحت عادة الحكومات المتعددة الأحزاب تقليداً من تقاليد البرلمان التركي.

وتشكلت في الجمهورية التركية منذ البدء و إلى الآن 63 حكومة، 6 منها جاءت نتيجة إنقلاب عسكري، و تأسست 3 حكومات مؤقتة بسبب تجديد الإنتخابات و الإنتخابات المبكرة، 4 حكومة أقليات، بالإضافة إلى 34 حكومة حزب واحد و 16 حكومة إئتلافية. 

حكومات الحزب الواحد. 
منذ تأسيس الجمهورية و إلى الآن تأسست في تركيا 34 حكومة حزب واحد، ترأسها فعلياً 6 أحزاب سياسية، كانت الحكومة الأولى و الأبرز بينها حكومة “أتاتورك” برئاسة حزب “الجمهوري الشعبي” و التي إستمرت 26 عاماً. 

وثانيها حكومة حزب “الديمقراطي”، حزب “العدالة”، حزب “الوطن الأم”، حزب “الطريق الصواب” و إن إستمرت فقط لـ 25 يوماً، و آخراً حكومة “حزب العدالة و التنمية”. 
أبرز حكومات الحزب الواحد هي حكومتي “الحزب الجمهوري الشعبي” و “حزب العدالة و التنمية”.
 
تُعد حكومة “اتاتورك” برئاسة “الحزب الجمهوري الشعبي” نقلة نوعية في الحياة السياسية التركية، من مرحلة السلطنة إلى مرحلة الجمهورية و الإنتخابات البرلمانية الحرة، حيث كانت التجربة الديمقراطية الأولى في حياة الأتراك، ونجحت في الحفاظ على وجودها 26 عاماً، و جلبت إلى تركيا العديد من المفاهيم الجديدة و مبدأ الديمقراطية، نَعِم من خلالها الأتراك بفترة من الإستقرار السياسيي و الإقتصادي على الرغم من حداثة التجربة. 

مع نشوب الحرب العالمية الثانية و التي أدت إلى زعزعة هذا الإستقرار، تم على أثرها تشكيل حزب آخر و هو حزب “الديمقراطي” و بذلك بدأت مرحلة أخرة في تاريخ الجمهورية التركية. 


حكومة “حزب العدالة و التنمية”
كما يمكننا القول بأن حكومة “حزب العدالة و التنمية” هي المثال الناجح لحكومة الحزب الواحد بعد فترة طويلة من الحكومات الإئتلافية ، و إضطرابات داخلية و خارجية، و التي إستمرت 13 عاماً. 

و إستطاع الحزب من إعادة الإستقرار إلى البلاد على الرغم من كل المعوقات، إذ لم يكن الحزب بمفرده في الدولة، فكان له العديد من المعارضين على خلاف الحكومة الاولى التي تميزت بأنها الحكومة الوحيدة. و إستطاعت تركيا بالنهوض من جديد و إستعادة الإستقرار السياسي نوعاً ما و الإستقرار الإقتصاديّ. 

إذ تمكنت الحكومة من التركيز على المشاريع الإقتصادية الضخمة التي تمكنت بدورها من دفع عجلة التطور إلى الأمام و جعلت تركيا بمقدمة الدول الناشئة خلال الـ 13 عاماً الماضية. 

كما تمكنت من تحسين العلاقات على المستوى الخارجي و كان الأبرز فيها، تحسين علاقاتها مع الدول العربية التي لم تكن باقي الحكومات تنظر إليها بنظرة ساخنة، و لم توليها أية أهمية. و ساعدت هذه العلاقات على تطوير الإقتصاد التركي و خلق أصدقاء جدد للجمهورية التركية. 

و لكن مع الأسف لم يستمر هذا الإستقرار طويلاً لتبدأ مرحلة الإئتلاف من جديد، و التي على ما يبدوا أصبحت فلكلوراً تركياً، بعد إن فشل رئيس الوزراء التركي “أحمد داوود اغلو” بتشكيل حكومة إئتلافية مع بقية الأحزاب الأخرى، في الإنتخابات البرلمانية الماضية في 7 حزيران.

الحكومات الإئتلافية
لم تتمكن الأحزاب السياسية التركية تشكيل حكومات إئتلافية على غرار عدداً من الدول الأوروبية كألمانية و بريطانيا، حيث فشل رئيس الوزراء التركي الحالي “أحمد داوود اغلو” بتشكيل حكومة إئتلافية مع بقية الأحزاب الأخرى، في الإنتخابات البرلمانية الماضية في 7 حزيران، مما دفع العديد للتخوف من عودة البلاد إلى فترة ما قبل “حزب العدالة و التنمية”، فترة عدم الإستقرار و الإضطرابات السياسية و الإقتصادية، بعد أعوام عديدة من الإستقرار النسبي الذي نجح الحزب الواحد في تحقيقه مؤخراً. 

والمعروف عن الحكومات الائتلافية، التي تشكلت قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، عام 2002؛ أنها لم تكن مستقرة، وعاشت لفترات قصيرة جداً، وتسببت في خلق اضطرابات انعكست على الأوضاع الداخلية، ومعيشة المواطن. 

بدأ تاريخ الجمهورية التركية مع الحكومات الإئتلافية بإنقلاب “ألب أرسلان توركش” في 27 أيار 1960، ولم تستمر الحكومة الانتقالية التي شكلها رئيس الوزراء السابق “مسعود يلماز” أكثر من 6 أشهر، واستمرت حكومة رئيس الوزراء السابق “بولنت أحمد” 5 أشهر فقط، في حين شكل رئيسا الوزراء السابقَين، “بولنت أجاويد”، وكذلك “تانسو تشيلر”، ثلاث حكومات خلال عامين اثنين؛ منها حكومتان تم تشكيلهما خلال شهر واحد هو تشرين الأول 1995.

ولم تكمل أي حكومة ائتلافية، أو حكومة أقلية، خلال مراحل تطور الدولة التركية الحديثة، ولايتها، وكثيراً ما كانت البلاد تشهد أزمات سياسية واقتصادية، بعد انحلال تلك الحكومات قصيرة العمر، جراء الخلافات السياسية بين الشركاء في الائتلاف. 
وفيما يأتي أبرز الحكومات الإئتلافية في التاريخ السياسي التركي.

إئتلاف حزب الشعب الجمهوري مع حزب العدالة 1961 (CHP- AP Koalisyonu)
أعلن “ألب أرسلان توركش” في 27 أيار 1960 الانقلاب على الحكم ووضع القوات المسلحة يدها عليه وتوجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء “عدنان مندرس” بقلب نظام الدولة العلمانية و تأسيس دولة دينية في تركيا. وهكذا بدأ الانقلاب العسكري في البلاد.
وفي الانتخابات الأولى التي أجريت عقب هذا الانقلاب احتل حزب “الجمهوري الشعبي ” المرتبة الأولى، ولكن عدد نوابه لم يكن كافيا ليكون الحزب الحاكم وحده في البلاد. فقام قائد الانقلاب “جمال غورسيل” بتعيين رئيس حزب “الجمهوري الشعبي ”  عصمت أينونو لتشكيل الائتلاف في 10 من تشرين الثاني عام 1961. وبعد 10 أيام من تكليفه، تمكن “عصمت إينونو” من تشكيل الحكومة الائتلافية الأولى في تاريخ تركيا بين حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة.

ائتلاف حزب السلامة القومي مع حزب الجمهوري الشعبي 1974 (CHP- MSP Koalisyonu)
حلّ حزب الجمهوري الشعبي أيضًا في المرتبة الأولى في الانتخابات التي أجريت في 14 تشرين الأول عام 1973، ولكنه حصل على 185 مقعدا لم تكن كافية لتشكيل الحكومة، وحصل في الانتخابات نفسها حزبُ العدالة بزعامة “سليمان دميريل” على 159 مقعدا وحصل حزب السلامة الوطنية بزعامة “نجم الدين أربكان” على 48 مقعدا في البرلمان. 

وشكّلت في 26 تشرين الثاني عام 1974 حكومة ائتلافية مع حزب السلامة الوطنية الإسلامي وحزب الشعب الجمهوري اليساري. واستمر هذا الائتلاف فترة قصيرة، وانتهى بعد 7 أشهر من تأسيسه بسبب عدم الاتفاق بين الطرفين.

ائتلاف حزب “الطريق الصواب” مع حزب “الشعبي الديمقراطي الاجتماعي” 1991( DYP- SHP Koalisyonu)
في أعقاب الانتخابات التي أجريت عام 1991، شكل حزب الطريق القويم بزعامة “سليمان دميريل” الذي حصل على 178 مقعدا في البرلمان ائتلافا مع الحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي بزعامة “آردال إينونو” الذي حصل على 88 مقعدا. واستمر هذا الائتلاف حتى 5 تشرين الأول عام 1995.



ائتلاف حزب “الرفاه” مع حزب “الطريق الصواب” 1996( RP- DYP Koalisyonu)
شكّل حزب الطريق الصواب بزعامة “تانسو تشيلر” حكومة ائتلافية مع حزب الرفاه بزعامة “نجم الدين أربكان” في عام 1996. 

وفي فترة حكم إربكان قامت القوات المسحلة التركية بشن حملة في البلاد ضد حزب الرفاه باتهامه بأنه يشكّل “تهديدًا للعلمانية”. وانتهى الائتلاف بعد سنة كاملة بسبب عدم التفاهم بين الحزبين من جهة وشدّة الضغط الذي فرضه الجيش عليها من جهة أخرى، الأمر الذي أدّى إلى ما يسمّى بـ”انقلاب ما بعد الحداثة”.

الخلاصة أن تاريخ تركيا حافل بالإئتلافات التي لم تدم طويلاً و عاشت البلاد في ظلها العديد من الإضطرابات، و مع فشل حزب العدالة و التنمية في تشكيل الحكومة الإئتلافية في الإنتخابات الماضية إزدادت مخاوف السياسيون. 

ما هي الإحتمالات الممكنة التي تنتظر تركيا في الإنتخابات المبكرة، وما هي النتائج التي قد تنجم عنها؟ هل ستنتهي فترة الإستقرار، أم ستتكمن الأحزاب من إعادة الثقة للشعب و تشكيل حكومة إئتلافية أو حتى حكومة حزب واحد، إن تمكن حزب العدالة و التنمية من تعديل المسار، و الذي يبدو مستحيلاً في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد.

– أورينت نت

اترك رد