لتبق على اطلاع أينما كنت

الفيزا التركية للسوريين تخفيف أحمال أم خيار استراتيجي فرضه الواقع؟

أعلنت وزارة الخارجية التركية فرض تأشيرة دخول على المواطنين السوريين الراغبين في دخول تركيا، وذلك اعتبارًا من 8 كانون الثاني/ يناير 2016، مع إعفاء القادمين عبر المراكز الحدودية البرية من الحصول على تأشيرة الدخول.

القرار التركي أثار مخاوف حقيقية لدى السوريين الذين يرون في تركيا الملاذ الوحيد لهم بعد أن أغلقت جميع الدول بما فيها الشقيقة والصديقة أبوابها في وجوههم. لكن السلطات التركية تبرر قرارها بأنه حالة اضطرارية فرضه الواقع، وأملته ظروف داخلية وخارجية، فعلى الصعيد الداخلي بدأ التململ وعلت الأصوات المعترضة على وجود السوريين الذين جاوز عددهم الثلاثة ملايين، حيث توقفت الهيئات الرسمية عن التصريح بالعدد الحقيقي خشية ردة فعل الرأي العام الداخلي، إذ لم يشهد التاريخ البشري أن استقبلت دولة بمفردها ثلاثة ملايين مهاجر، في وقت يعيش فيه الاقتصاد العالمي ومنه التركي حالة ركود خانقة.

الحق يقال فإن الحكومة التركية تبذل جهودا كبيرة من أجل إقناع المواطن التركي بأن وجود السوريين في تركيا له فوائد كبيرة، وأنه شكل عامل دفع وتنشيط للإقتصاد التركي، وأن آثاره الإيجابية ستكون أكبر على المدى البعيد.

إلى جانب الضغوط الاقتصادية يأتي العامل الأمني الحساس، خصوصا بعد حادثة الطائرة الروسية، حيث بدأ الروس بتحريك جميع أدواتهم للضغط على تركيا والعبث بأمنها، وقد تحولت تركيا إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى المتصارعة على الساحة السورية، وآخر مثال على ذلك اغتيال الصحفي ناجي الجرف في مدينة عنتاب ومن قبله اغتيال صحفيين سوريين في أورفة، وعملية مداهمة حجرة داعش في عنتاب التي راح ضحيتها عناصر من الشرطة التركية عقب تفجير انتحاري نفسه، وتفجيرات أنقرة، وغيرها، إضافة إلى حوادث جنائية كثيرة يتم التستر عليها.

قبل الحديث عن الدوافع السياسية لا بد من الإشارة إلى أن قرار تطبيق الفيزة ليس مفردا لوحده، بل هو من ضمن حزمة قرارات هدفها ترتيب وتنظيم شؤون السوريين وإقامتهم في تركيا، منها قرار تأهيل اليد العاملة السورية، ومنحها أذون عمل نظامية تساعدها على تحصيل حقوقها قانونيا، وتمنع استغلالها كما يجري الآن، وهناك قرارات أخرى تشمل التعليم وتعديل الشهادات الجامعية وغير ذلك.

سياسيا يعتبر القرار التركي خطوة أولى من جملة خطوات شملها الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والذي وصف يومها بالتاريخي، حيث حصنت تركيا موقعها في حلف الناتو ضمن المنظومة الغربية، وعززت من شرعيتها الدولية، على عكس إيران وروسيا اللتان تنتهكان القانون الدولي وحقوق الإنسان صباح مساء، والسكوت عنهما حاليا لا يعني بحال أن جرائمهما ستبقى دون مساءلة أو عقاب، إذ المسألة مسألة وقت فقط.

الخطوة التركية التي من المقرر أن تقابلها خطوة من طرف الاتحاد الأوروبي من الخطأ قراءتها على أنها حبس للسوريين ومنعهم من الهجرة لأوروبا أو غيرها، بل هو فرز للمتصررين الحقيقيين من الحرب في سورية عن أولئك الذين ركبوا الموجة ووجدوها فرصة للهجرة والعمل وتحسين ظروف المعيشة، وقد رأيت بعيني من هؤلاء كثر، ممن لا علاقة لهم بالثورة السورية يشغلون وظائف في كثير من المؤسسات التي تعمل من أجل السوريين.

واضح أن القرار التركي يأتي ضمن استراتيجية تركيا التي تدفعها موجبات أمنها القومي للاحتماء بحلف الناتو في مواجهة رعونة الرئيس الروسي بوتين، الذي ما فتئ يعمل على التصعيد مع تركيا على الأرض السورية من أجل تحقيق أهداف استراتيجية يريد انتزاع ثمنها من الأمريكان، الذين يبدون في غاية الزهد والأعراض عن الدخول في مثل هذه المقايضة، الأمر الذي يدفع الروس إلى مزيد العنف والإجرام بحق الشعب السوري.

أخيرا، يتوجب على الائتلاف الوطني السوري المعترف به رسميا وقانونيا في تركيا، أن يكثف جهوده واتصالاته بالسلطات التركية، وأن يقدم الاقتراحات والحلول التي تخفف من الآثار السلبية لتطبيق قانون الفيزا، من ذلك المطالبة بالفيزة الإلكترونية التي تسهل الحصول على الفيزا وتجعلها عملية سلسة، والسماح لأصحاب الإقامات السياحية السفر والعودة لتركيا دون الحاجة للفيزة، وغير ذلك من التسهيلات التي تفيد السوريين، ولا تتناقض مع أهداف وروح القرار التركي.

– ترك برس – محمود العثمان

اترك رد