لتبق على اطلاع أينما كنت

كنتم ستحتلّون هاتاي، ونحن اليوم نردّ من هاتاي، ستسمعون ذلك الصوت، انتظروا!

يني شفق – ابراهيم قارغول

 

نعيش عصر الكلمات والطموحات والكفاحات الكبرى. إنّ من سعوا لغلق أبواب تركيا الجنوبية من حدود إيران إلى البحر المتوسط، وخطّطوا للوصول إلى البحر المتوسط بعد انتزاع هاتاي عقب سيطرتهم على عفرين، لم ينتظروا حتى تقول تركيا كلمتها في هذه الحسابات الكبرى. فبينما كانوا يخطّطون لانتزاع هاتاي، دخلت تركيا عفرين، وستدخل كذلك منبج، وستتابع السير نحو حدود إيران دون أن تحني رأسها أمام أي عقبة تقابلها.
سنبرهن لأولئك الذين يحاولون إعادة رسم ملامح المنطقة مرة ثانية مَن يرسم ملامح هذه المنطقة منذ ألف عام. لا شك أنّ زيارة الرئيس أردوغان أمس إلى هاتاي برفقة جمع غفير من الصحفيين والفنانين والرياضيين وإرساله رسالة من هناك إلى العالم وإطلاقه لتصريحاته من على الحدود، يحمل معنى رمزيًّا كبيرًا للغاية. فهذا يعكس موقف تركيا ويعلن أنّها بدأت الصعود من جديد وعادت إلى جيناتها السياسية التي تبني التاريخ.
سيضطر العالم لإدراك الردّ الذي ينطلق من هاتاي إلى العالم بأسره، في فترة بدأت فيها كلّ خطوط الصدع حول العالم بالتحرك واشتعل فيها فتيل تصفية الحسابات بين القوى العالمية في كل بقعة من بقاع البسيطة. فالعديد من التطوّرات التي تتابعونها من عفرين إلى سانت بطرسبرج، ومن البحر الأحمر إلى جنوب شرق آسيا، ومن الجنود الأمريكان في منبج إلى تصريحات فرنسا حول الإرهاب؛ كلها جزء من تصفية حسابات دولية نجحت تركيا فيها في قطع مسافة كبيرة بخطى ثابتة، ولا يمكن إيقاف تقدمها بعد اليوم.
في وقت نُكس فيه العلم الأمريكي في سانت بطرسبرج
إنّ إغلاق القنصلية الأمريكية في سانت بطرسبرج أمس وتنكيس العلم الأمريكيّ، وعودة الدبلوماسيّين الروس المطرودين من الولايات المتحدة إلى بلدهم، ليس أزمة عابرة. كما أنّ طرد معظم الدول الأوروبية تقريبًا، بتوجيه وقيادة بريطانية؛ لأفراد البعثات الدبلوماسية الروسية من بلادهم واتخاذهم موقفًا مضادًّا لروسيا ومحاولتهم لإبعادها عن أوروبا، ليس مسألة تتعلق بجريمة قتل فقط.
ولا شك أنّكم تلاحظون الإشارات الأولى لخلاف وانقسام كبيرين للغاية من البلطيق إلى أوروبا الشرقية، ومن أوكرانيا إلى جورجيا، وستلاحظون كذلك مستقبلًا كيف سيتحول هذا الخط إلى جبهات وساحات صراع. سترون أنّ هذا الخط سيمتدّ من القوقاز حتى جنوب شرق آسيا، وأنّ منطقة المحيط الهادئ في آسيا ستتحول إلى ساحة صراع عنيف للغاية، وأنّ هذا الصراع سيكون له تأثيرات على المستوى العالمي.
ترجيحات تركيا سترسم خريطة القوى
ولأول لكم إنّ المنطقة الواقعة من أفريقيا الوسطى إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي وشرق البحر المتوسط ستشهد هزّات عنيفة للغاية، وإنّ خطوط الصدع حول العالم ستتحرك بعد أن طرحت جميع الحسابات المخفية على الطاولة، وإنّنا سنشهد كفاحًا كبيرًا بين صعود الشرق وطموح الغرب للسيطرة من جانب واحد على العالم ونهب مقدراته، وإنّ رسم ملامح العالم الجديد سيكون وفق نتيجة هذا التوتر الذي يعيشه العالم حاليًّا.
ولا يساورني أدني شك في أنّ تركيا ربما تكون هي واحدة من أشدّ جبهات هذه العاصفة العالمية العنيفة. فترجيحات أنقرة هي التي ستحدّد ميزان خريطة القوى العالمية الجديدة وتصفية الحسابات بين القوى الشرقية والغربية. لم يكن هجوم 15 يوليو/تموز هجومًا يستهدف إعادة تشكيل السياسة الداخلية التركية فحسب، بل كان محاولة لتقليل الدور التركي وإعادة تبعية أنقرة إلى حلف الناتو.
كانوا سيجروننا تلك الليلة إلى هاوية حربين ضروسين
لا يمكن فهل هذا مع وجود “عقول الدولة الوطنية” الحالي، ولهذا فكان عليهم أولا تصفية ممثّلي هذا العقل وداعميه، ثمّ إعادة تركيا كجبهة تعمل لصالح الغرب حسب العاصفة العالمية الكبرى. كانوا سيتبّعون ذلك بوضع تركيا في الجبهة المضادة لروسيا، كما كانوا سيجرّونها إلى هاوية الحرب مع إيران. ولو لم يكن مفعول هجوم 15 يوليو/تموز قد أبطل تلك الليلة؛ لكنّا سنشهد أزمات بين تركيا وروسيا تصل إلى حدّ نشوب نزاع خلال “الأزمة الدبلوماسية” التي تعيشها موسكو اليوم مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وربما كنّا سنشهد قبل حدوث هذه الأزمة اندلاع حرب بين تركيا وإيران من خلال خط سوريا – العراق – إيران – باكستان – أفغانستان.
كان العقل البريطاني والقوة الأمريكية سيدمران تركيا
كانوا سينفذون عملية تطويق تمتدّ حتى جنوب آسيا، وكانوا سيدشنّون خط مقاومة جديد للعالم الغربي تكون قاعدته الأساسية تركيا. لكن الآن حدث عكس ما كانوا يخططون له؛ إذ أغلق هذا الحزام أمام النفوذ الأمريكي والأوروبي، وانقطعت تركيا على الغرب إلى هذه الدرجة للمرة الأولى في تاريخها. ذلك أنّ جميع التهديدات كانت قادمة من الغرب، لندخل، بل كان لزامنا أن ندخل، فترة دفاعية استثنائية.
والآن نشهد تشكيل جبهة مضادّة للغرب في المنطقة الواقعة بدءا من تركيا غربًا إلى إندويسيا شرقًا، وهذا يحدث للمرة الأولى في التاريخ. فالمقاومة الإقليمية تتقدم لمواجهة العقل الإنجليزي والقوة الأمريكية. كانوا سيدمرون تركيا من أجل إعادة سيطرة الغرب على الجزء الأكبر من العالم، وهذا ما نقصده عندما نقول إن “شعبنا غير مجرى التاريخ تلك الليلة”.
“غصن الزيتون” كانت مضادة لمخططي هجوم 15 يوليو/تموز وأتباعهم
لقد سحب الغرب خط المقاومة نحو الجنوب بعد فشل هجوم 15 يوليو/تموز وإفشال شعبنا لهذا المخطط، فتمّ تشكيل محورًا رباعيًّا من الإمارات والسعودية وإسرائيل ومصر، ورسم خطًّا جديدًا يمتدّ من البحر الأحمر وجيبوتي غربًا إلى الخليج العربي شرقًا. وبهذه الطريقة يكشف النقاب عن سبب دعم بعض الدول العربية لهجوم 15 يوليو/تموز الذي نفذته أمريكا وإسرائيل ودعمته جميع الدول الأوروبية تقريبًا.
وبهذه الطريقة أيضًا نفهم لماذا بادرت تركيا إلى الهجوم عقب هجوم 15 يوليو/تموز وطهرت البلاد من العناصر الأجنبية في الداخل وبدأت تنفيذ عمليات عسكرية في شمال سوريا. ولهذا فإنّ عملية غصن الزيتون ليست ضدّ سوريا، بل إنّها موجهة بشكل مباشر ضد مخططي هجوم 15 يوليو/تموز وأتباعهم. ولا شك أنّ هذه العملية ستستمرّ دون أدني تردّد أو انقطاع، بل يجب أن تستمرّ، وإلا فستروح تركيا سريعًا ضحية حسابات “تقليص القدرات” من أجل السيطرة عليها.
يجب أن نفهم جيدًا الجزء الخاص بسوريا في الصراع الغربيّ–الروسيّ أو تصفية الحسابات الشرقية–الغربية. لم يعد هناك شيء اسمه حرب سورية، بل أصبح نظام دمشق، والجماعات المتقاتلة هناك جزءا من تصفية الحسابات الكبرى هذه؛ إذ تعتبر سوريا إحدى أدمى جبهات صراع القوى العالمي.
فرنسا تتولى الدور الأمريكي.. فليأتوا لنرى..
إنّ التصريحات المثيرة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي ترمب الأسبوع الماضي وقال فيها “سننسحب من سوريا. علينا التعاون أكثر مع تركيا”، والعبارات الحمقاء الصادرة عن الرئيس الفرنسي ماكرون حول “الوساطة بين تركيا وبي كا كا” وهذيانه بإرسال جنود إلى منبج وتصريحاته الكارثية حول الوساطة لصالح الإرهابيين، وتصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي قال فيها ضمنا “يجب ألا تنسحب أمريكا من سوريا”؛ كل ذلك لا يعبر عن أهواء تكتيكية عابرة، بل إنه حلقة من سلسلة تصفية الحسابات الكبرى التي أتحدّث عنها.
لقد نجحت تركيا في إفشال مخططات “التطويق عن طريق بي كا كا”، ثمّ سرعان ما بدأت سلسلة من العمليات العسكرية خارج الحدود بدأت في عفرين، ما أجبرهم على وضع مخطط جديد. لكن في ظل هذه الظروف من المستحيل أن تصمد أمريكا هناك لتكمل بناء حزام الإرهاب ذلك. لم يعد في سوريا قوة أو وسط يريد الوجود الأمريكي باستثناء بي كا كا، بل إنّ الجميع سيبدؤون في المستقبل القريب القتال من أجل إخراج الولايات المتحدة من الأراضي السورية.
ستواصل تركيا –دون شك– عملياتها العسكرية شرق الفرات رغم أنف أمريكا وأوروبا. إنهم الآن يغيّرون المهام فيما بينهم، ويحاولون إحلال الجنود الفرنسيّين محلّ نظرائهم الأمريكان. بيد أنّ فرنسا ليست بالقوة التي تستطيع من خلالها الوقوف أمام تركيا؛ إذ لن يبقى بين يديها سوى دور الشرطي السيئ الجديد ومشهد الشراكة مع الإرهاب.
سيجدوننا أينما وضعوا المخططات الكبرى: إلى اللقاء في شرق الفرات..
ذلك أنّ عملية غصن الزيتون أفسدت جميع المخططات التي وضعتها أمريكا وفرنسا وأوروبا والسعودية والإمارات في سوريا، ولم يعد لديهم الفرصة مجدّدًا لإعادة وضع هذه المخططات على الأقلّ في شمال سوريا.
إنّ كلّ هذه التصريحات ومحاولاتهم لإحلال فرنسا بدلًا من أمريكا في سوريا ومشاكل تبادل الأدوار بين حماة الإرهاب وسادته ليس إلا دليل على أنّ حتى عملية غصن الزيتون التي نفذتها تركيا في عفرين كانت كفيلة بقلب مخططاتهم الإقليمية رأسًا على عقب. فيا ترى ماذا سيكون تأثير عملياتنا في منبج وشرق الفرات؟ أنا أعلم هذا التأثير مقدّمًا؛ إذ ستقضى هذه العمليات تمامًا على آمال أمريكا وإسرائيل وحلفائهما الأوروبيين في شمال سوريا، وسيغادرون تلك المنطقة، سيتخلون عن بي كا كا/ب ي د أو سيسخدمونهما لتنفيذ هجمات إرهابية دولية بالضبط كما فعلوا مع داعش.
هذه طفرة تاريخية: ستضطرون لقبول ذلك
إنّ تركيا –في الواقع- تخطو خطوات استثنائية في طريق بناء مستقبل المنطقة من خلال العمليات التي تنفذها والحملات الجيوسياسية التي تقوم بها من أجل حفظ أمنها. أحاول أن ألفت انتباهكم إلى أنّ القضية ليست قضية إرهاب أو مغامرة للجنود الأمريكيين، بل إنه قضية رسم ملامح المنطقة من جديد، ولهذا فإنّ خسارتنا أو نصرنا سيؤدي إلى تأثيرات عميقة على المستوى الإقليمي.
لم نعد بحاجة إلى دفاعهم أو رحمتهم أو شفقتهم، فعلينا أن نحدّد مكاننا بأنفسنا في العالم الجديد الذي يجري بناؤه حاليًّا. وهذا بالفعل ما تفعله تركيا. وحتى لو أرسل ماكرون عناصره؛ فإنّنا سنسير في هذا الطريق لنحقق الطفر التاريخية الكبرى، فلن يستطيع الغرب إيقاف صعود تركيا، بل إنه سيكون مجبرًا على أن يشهد هذا الصعود بعد 100 عام من الغفلة.
سنتنشر “المقاومة الشرسة” من الداخل نحو الخارج
بينما تبني تركيا قرنها الخاص بها يجب أن ننتبه جيدًا إلى محاولات التعطيل الداخلية والحصار والتعطيل الخارجية. فالدور الذي اختاره لنا الغرب والمكان الذي خصصه لنا من أجل القرن الحادي والعشرين لا يشرفّنا أبدًا، ولهذا فلن نرضى به مطلقًا.
إنّ الرسالة التي أطلقها الرئيس أردوغان من هاتاي أمس ليست رسالة عفرين، بل هي رسالة للتاريخ والجغرافيا، ومن لا يريد قراءتها وفهمها سيضطر لقبولها مستقبلًا. فكلّ كلمة ستقال من الآن فصاعدًا ستصدر باللهجة ذاتها، وكلّ عملية سيجب القيام بها يتنفذ بصورة حاسمة، ذلك أنّ تأثير “المقاومة الشرسة” سينتشر من الداخل نحو الخارج.

اترك رد