لتبق على اطلاع أينما كنت

هل اتفقت أمريكا وفرنسا سرًّا؟ وما ردّة فعل تركيا؟

الكاتب : محمد آجات

 

كنا نرافق رئيس الوزراء بن علي يلدريم في زيارته إلى البوسنة والهرسك يوم الخميس عندما أصدر الرئيسان الأمريكي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحات متتالية حول سوريا وتركت لدى الكثيرين انطباعًا بأنّ ثمة اتفاقًا سرّيًّا بين الدولتين.
أقلعت طائرتنا من سراييفو مساء يوم الجمعة، وبعدها مباشرة حجزنا لأنفسنا مكانًا بين الصحفيين لطرح الأسئلة على رئيس الوزراء الذي ما إن أذن لنا بالبدء، شرعت سريعًا في طرح الأسئلة التي جالت بخاطري:
“حدث تطور مفاجئ خلال زيارتنا لسراييفو؛ إذ صرح ترمب بأن بلاده ستنسحب من سوريا، ثم سرعان ما أصدر ماكرون تصريحًا هو الآخر. ماذا يحدث؟ هل تنسحب أمريكا لتحل محلها فرنسا؟ هل كان لديكم علم بأن ذلك سيحدث؟ أم تفاجأتم أنتم كذلك؟”
فبدأ يلدريم رده بشكل فكاهي قائلًا “يُجرون تغييرًا للنوبة، ينتقلون من نوبة الشتاء إلى نوبة الصيف…”
كنا في أنقرة – في الواقع – قد تلقينا سابقًا إشارات حول مساعي فرنسا للدخول في معادلة شمال سوريا. وكنا نعلم أنّ الرئيس أردوغان أجرى عدة اتصالات مع ماكرون خلال عملية غصن الزيتون في عفرين.
ويبدو أنّ ماكرون حاول اختبار ردّة فعل أردغان في آخر اتصال جرى بينهما، لكنّه اصطدم بصخرة قاسية.
من أين نفهم هذا؟
من تصريحات أردوغان يوم الجمعة؛ إذ قال:
“جمعني اتصال بماكرون الأسبوع الماضي، وسمعته يقول أشياء غريبة، لقد كان تردّد ردّي عاليًا، لكني اضطررت لذلك”.
لم يوضح أردوغان ماذا قال بتردد عال إلى ماكرون، لكن باستطاعتنا تخمين ذلك.
فأردوغان شخص يستطيع التعبير عما يجول بخاطره بشكل صريح دون أن يفرق بين مَن يخاطبه، خصوصًا لو كان موضوع الحديث عن تهديدات الإرهاب في شمال سوريا…
الغرب لم يعد التصرف “وفق مزاجه”
ما نعلمه أن أردوغان صرح عازمًا “يمكن أن نأتي في ليلة على حين غزة”، ثم أتبعه البحث عن إجابة لسؤال حكومات الغرب “هل يخدعنا أو أنه أفسد النية؟!”
لكن صار لهذا السؤال جوابًا.
ولهذا السبب لم يعد أمام أي قوة تعادي تركيا، سواء واشنطن أو باريس، في ظل هذه الظروف الرفاهية لتقول “سنتصرف على حسب أهوائنا”.
وبعد رد الفعل شديد اللهجة الذي أظهرته أنقرة على تصريحات ماكرون التي قال فيها “لقد وعدنا الأكراد بأن ندعمهم، كما يمكننا التوسط بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا”، ومن ثمّ تحوّل تصريح باريس إلى “لا نخطط لإرسال المزيد من الجنود إلى شمال سوريا”، وهو ما يبرهن على أنه ليس من السهل أبدًا تنفيذ مخطط تعارضه تركيا في شمال سوريا.
هل تنسحب أمريكا حقًّا؟
قال يلدريم بينما ردّ على أسئلتنا خلال رحلة العودة من سراييفو “أهنّئ ترمب على قراراه الشجاع هذا”.
ثم أضاف “ما يهمّنا هو ما قاله ترمب”.
ولا ريب أنّ هناك سببًا لهذه العبارة التي قالها يلدريم. وهذا السبب هو أنّه عقب إصدار ترمب هذا التصريح قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “ليس لديّ علم بهذا التصريح، لا أستطيع التعليق”.
وإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة معتدلة، يمكن أن نغضّ الطرف ونرجع الأمر لحدوث حالة من الارتباك داخل الإدارة الأمريكية. بيد أننا لا يمكن أن نفسر هذا الوضع من وجهة نظر الدول التي تواصل حماية جديتها سوى عن طريق استخدام تعبيرات من قبيل “حماية” أو “فضيحة”.
الأمر ذاته ينطبق على طلب ترمب إلغاء المخصصات التي تخصصها حكومته من الميزانية بقيمة 200 مليون دولار من أجل سوريا بعدما علم بهذا الأمر من خبر نشرته الصحف.
وفي هذه الحالة يبقى أمامنا سؤال مجهول الجواب في الوقت الراهن: إلى أي مدى تكون تصريحات ترمب بالانسحاب ملزمة؟ وهل ستنفذ أمريكا هذا الوعد أم لا؟
لكن ما يمكنني قوله هو أنه اتضح أن ترمب شخصية عنيدة نفذت منذ فترة طويلة مجموعة من الوعود التي قدمها خلال حملته الانتخابية ونظر إليها الناس على أنها مبالغ فيها.
ألم يشعل حديثًا فتيل الحرب التجارية لا يعرف أي أحد إلى الآن ما يمكن أن تؤدي إليه؟
وأنا شخصيًّا لا أعتقد أنه سيتراجع بسهولة عن وعوده التي قطعها على نفسه بشأن سوريا.

اترك رد