لتبق على اطلاع أينما كنت

إبراهيم قراغول يكتب : تفريق طاولة الدمار المقامة في باريس…حقبة الانحدار بالنسبة لهم والارتقاء بالنسبة لنا.

الكاتب : إبراهيم قراغول

تعقد طاولة في باريس قبل مائة عام بالتمام والكمال وتوضع نقطة النهاية من خلال وقف إطلاق النار لأكبر حرب شهدها تاريخ الإنسانية أتت على الأخضر واليابس وأفضت إلى مقتل ملايين البشر ومحت بعض الدول من على الخريطة وأخرجت بعض الأمم من التاريخ السياسي للعالم وأدت إلى إقامة نظام عالمي جديد.
إن هذه المعاهدة التي أنهت الحرب العالمية الأولى هي – في الواقع – أنهت “الحرب الأهلية الأوروبية”. وقبل مرور وقت طويل ستبدأ “حرب أهلية أوروبية” جديدة سيطلق عليها الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الحرب الثانية لن تفضي إلى تغيير ممنهج على مستوى النظام العالمي الحالي، بل ستعزز قدرات معادلة القوى العالمية أكثر ليواصل طريقه من حيث توقف.
“كانت نهاية الحرب بالنسبة لأوروبا ومشروعا تدميريا بالنسبة لنا”
لقد كانت الطاولة التي أقيمت في باريس قبل مائة عام هي طاولة “نهاية الحرب بالنسبة لأوروبا ومشروعًا تدميريًّا بالنسبة لنا”. لقد قرّر أعداؤنا تدمير الدولة العثمانية من الناحية السياسية ونفي الأتراك خارج الأناضول ومحو المسلمين من التاريخ.
لقد قرّروا نهب المنطقة الواقعة من المحيط الأطلسي حتى سواحل المحيط الهادئ ومحوها من الخريطة السياسية وتصفية المنطقة بالكامل من القوة السياسية التي بدأت مع السلاجقة واتجهت نحو أوروبا من خلال الأناضول حتى أوقفت على أبواب فيينا.
أكبر موجة دمار منذ الحروب الصليبية: لقد كانت تلك أيضا حربًا صليبية
لقد احتلوا جميع أراضينا ونهبوها وتشاركوها فيما بينهم وأساؤوا إليها ونفذوا أكبر عملية سلب ونهب في التاريخ. كما حلت موجة دمار كبرى على الكيان السياسي والثقافي الممتد لمئات السنين من شمال أفريقيا إلى الخليج العربي ومن القدس إلى المدينة المنورة ومن أواسط أفريقيا إلى البلقان وآسيا.
لقد قسّموا الأرض والمجتمعات ونصّبوا الأنظمة والكيانات السياسية التي يتحكمون بها، كما ضللوا العقول والقلوب. وفي نهاية المطاف حاولوا احتلال الأناضول، قلب المنطقة والسلطة السياسية، من أربعة جوانب. ولهذا فقد كان هذا مخططًّا من أجل “نفينا” من المنطقة والتاريخ.
لقد عاشت هذه الديار أكبر عملية دمار شاملة من بعد الحملات الصليبية. ذلك أنّ الحملة الصليبية الجديدة التي قاموا بها خططوا لها لتكون انتقاما للحروب الصليبية.
لقد انسحبنا إلى “الحصن الداخلي” وانتظرنا هذه الأيام..
لقد خاضت هذه الأمة مقاومة شرسة في مواجهة كل محاولات الاحتلال الغربي من الخليج العربي إلى اليمن، ومن القدس إلى المدينة المنورة، ومن قناة السويس إلى باكو، ومن بغداد إلى دمشق، ومن جاناق قلعة إلى كوت العمارة، وهو ما أفضى في النهاية إلى الانسحاب إلى “الحصن الداخلي”، أي الأناضول.
ولقد وصل المخطط التدميري إلى هدفه بشكل كبير. لكنهم أغفلوا أن المقاومة بدأت في الأناضول عقب الحروب الصليبية واحتلال المغول، وأنها ستبدأ للمرة الثالثة كذلك على هذه الأرض، بل وظنوا أن بإمكانهم السيطرة على هذا البلد عن طريق وضعها تحت الوصاية ليحولوا دون وقوع هذا “الخطر”.
صبر استمر لقرن من الزمان..
لقد أخطؤوا التقدير.. ذلك أن مقاومة الأناضول، مقاومة الحصن الأخير، بدأت مباشرة عقب “مخطط التدمير” الذي كان في باريس. وكانت الأناضول مهدًا لصعود نضال وحيد وشريف. وكان الهدف الأول هو حماية هذه الأرض وإيقاف مجرى التاريخ هنا. وبعدما أن أوقفنا مجرى التاريخ ظنوا أنهم نجحوا في السيطرة علينا لإدارتنا. وهكذا مر قرن من الزمان. وفي الواقع كانت الحرب العالمية الأولى لم تنته، بل كانت مستمرة، ولا تزال مستمرة إلى اليوم. كنا نحن فقط صابرين منذ مائة عام، جمّدنا أذهاننا وأفقنا وحماسنا وأهدافنا.
واليوم استيقظنا من سباتنا. وإن تصفية الحسابات الكبرى هذه تحمل معنى إعادة اكتشاف رموزنا التاريخية ورموزنا الذهنية وذكرياتنا في المنطقة منذ عقدين من الزمان واستدعائها إلى حاضرنا. ولقد تحرك العقل المؤسس والجينات السياسية والقدرة على رسم ملامح المنطقة من جديد ودخلنا مرحلة تصفية الحسابات النهائية.
إعادة إقامة تلك الطاولة: لقد أطلقوا ضدنا غولن وبي كا كا وداعش الإرهابية
وستحدد نتيجة تصفية الحسابات هذه نتيجة الحرب العالمية الأولى. ولهذا السبب فإنهم – في الواقع – أقاموا تلك “الطاولة” من جديد مباشرة عقب الحرب الباردة، واتخذوا قرارات من أجل نفينا من الأناضول مجددا، كما حاولوا إخراجنا خارج عجلة التاريخ مرة ثانية والحيلولة دون صحوة هذه القوة وصعودها.
ولقد حرّضوا ضدنا منظمتي بي كا كا وغولن وتنظيم داعش الإرهابي وسائر التنظيمات الإرهابية الأخرى وكذلك “المحتلين الداخليين” لتنفيذ هذا الغرض. كما حرّضوا الكثير من الأوساط من أصحاب الهويات السياسية المختلفة التي استثمروا بها على مرّ السنين. ولقد كان هجوم 15 يوليو/تموز (محاولة الانقلاب الفاشلة 2016) هو أشرس هجمات تصفية الحسابات هذه، إذ كان محاولة لتمزيق الأناضول.
ولا تزال تصفية الحسابات النهائية مستمرة في الداخل وكذلك في المنطقة. فهم من ناحية يستثمرون في الكيانات الموالية لهم في الداخل، ومن ناحية أخرى يقيمون محور وجبهة “إيقاف تركيا” في المنطقة.
أتاتورك وأردوغان: عهد التأسيس والصعود
لكن “المقاومة الشرسة” قد بدأت ولا يمكن إيقافها بأي حال. ذلك أنّ مجرى التاريخ قد تحول وبدأ عهد صعود جديد في تركيا. فكما كانت حرب الاستقلال نوعًا من أنواع المقاومة، فإن تصفية الحسابات الحالية هي نضال من أجل الارتقاء. وكما كان مصطفى كمال أتاتورك هو زعيم التأسيس، فإن رجب طيب أردوغان هو رائد النهوض. فلا تزِنوا هذه الكلمات بالعبارات التافهة المحفوظة والأحكام المسبقة. انظروا إلى تركيا والمنطقة والعالم وستفهمون.
باريس تشهد تفرق طاولة الدمار المقامة على أراضيها
لم يذهب الرئيس أردوغان إلى باريس للمشاركة في الذكرى المئوية للمعاهدة التي أنهت الحرب بصفته وريث دولة مدمرة، بل ذهب إليها بصفته قائدًا منتصرًا لتصفية حسابات مستمرة منذ مائة عام. فهذه رسالة مفادها “إذا كنتم حاولتم تدميرنا ومحونا فإننا أقوى من أي وقت مضى”.
إنه نصر أتى بعد صبر استمر لمائة عام، إنه تفريق لطاولة التدمير التي أقيمت من جديد في القرن الحادي والعشرين، إنه انهيار آمال إيقاف تركيا من خلال الإرهاب والهجمات الاقتصادية وأصحاب العمليات الداخلية والحصار من جانب سوريا وإقامة معادلة إقليمية جديدة.
لقد بدأ انحدارهم و”الصعود الثالث” لتركيا: هذه هي أسمى هوية سياسية
حاولوا فهم تركيا وهي في مرحلة الصعود بغض النظر عما تؤمنون به. لقد أنشأنا “محور تركيا”، وهو محور قوي للغاية لمواجهة من يخططون من أجل “إيقاف تركيا”. كما عاد العقل السياسي الذي يمتد لمئات السنين إلى السير في طريقه الطبيعي. وبغض النظر عن الهوية السياسية التي تنتمون إليها، فإنه لا يوجد في تركيا أي هوية سياسية أو حساب أو غرض أكبر من هذا، كما لا يوجد أي موقف أكثر حكمة وعمقًا من هذا الموقف أبدًا.
واليوم في الوقت الذي يسيرون فيه نحو “الحرب الأهلية الأوروبية الثالثة”، فإن تركيا أصبحت أقوى لغة للمنطقة الشاسعة الممتدة من سواحل الأطلسي إلى المحيط الهادئ. وفي الوقت الذي يتراجعون فيه ويدخلون مرحلة الانهيار، فإنّ تركيا بدأت منذ زمن بعيد “عهد الصعود الثالث”. فهذه هي القضية.. ومن عجز عن إدراكها سيدفع خارج عجلة التاريخ.
ولهذا أدعو الجميع لمراجعة المكان الذي يقفون به!

اترك رد