لتبق على اطلاع أينما كنت

لقاح السل في مواجهة كورونا : لماذا إختار العلماء دراسته تحديدا ؟ و هل يقف وراء إنقاذ 90 % من دول العالم بعدم تكرار السيناريو الأوروبي في تفشي الوباء ؟

الكاتب : هشام باسيطي

 

دفع الإنتشار  السريع  لفيروس  كورونا (COVID-19) عبر أرجاء العالم وتصنيفه كجائحة  من قبل منظمة الصحة العالمية ، المراكز العلمية إلى البحث عن أسرع الطرق للحد من تفاقم الأزمة حيث إتجه البعض الى إجراء إختبارات على أدوية  قديمة أشهرها hydroxychloroquine , chloroquine ,.  بينما إنطلقت أبحاث أخرى  تركز  على طرق وقائية  بإعتبارها الحل الأكتر  أهمية ،  و الأكيد كما هو متعارف عليه فإن اللقاحات تعد أحد أبرز الحلول في هذا الجانب  ، لكن  الإشكال الذي تطرحه اللقاحات هو بطئ وتعقيد إجراءات إنتاجها و التي قد تصل لأكتر من سنة و هي مدة زمنية طويلة قد لا تصمد أقوى الإقتصادات العالمية أثناءها ،  من هنا تزايد البحث  مؤخرا عن لقاحات جاهزة قد تحقق نتائج إجابية على غرار الأدوية السابق ذكرها . ومن أشهر اللقاحات التي بدأ يروج الحديث عنها  بشكل كبير ، هو لقاح عُصية كالميت غيران المعروف إختصارا ب : بي سي جي   (BCG) و  هو لقاح ضد الـسل، سمي اللقاح بهذا الاسم نسبة إلى مخترعيه ألبرت كالميت وكميل غيران.

السؤال الأهم هنا هو لماذا حاز لقاح  (BCG)  على هذا الإهتمام الكبير مقارنة مع باقي اللقاحات الأخرى العديدة ؟

إن الإهتمام بلقاح (BCG)  داخل الأوساط الطبية ليس وليد اليوم ، فطالما ثم إجراء بحوث مستمرة عليه لتأكد من كفائته  في الوقاية من داء السل الفتاك  , فهناك من قلل منه واعتبره غير مفيد في هذا الجانب .

 لكن هذه الأبحاث المتنوعة و المستمرة على اللقاح أدت مؤخرا الى إكتشاف مميزات مثيرة له تتمثل أساسا في :

  • قدرت اللقاح على مقاومة طيف واسع من الفيروسات و علاج بعض الأمراض.

  • تعزيزه لما يصطلح عليه بالمناعة المدربة  ¹ trained immunity.

  • طول مدة الوقاية التي يشكلها اللقاح .

أتبتث العديد من الأبحاث خلال السنوات الأخيرة  أن للقاح  قدرات غير مفهومة بشكل كامل  في تعزيز ما يصطلح عليه بالمناعة المدربة ¹ ، ما ساهم بشكل لافت في الوقاية والعلاج  على مستويات متفاوته ضد مجموعة من الأمراض ، كسرطان الرئة  و مرض السكري  الأول  و الزهامير و  التصلب المتعدد  و  طيف واسع من الأمراض الفيروسية ، خاصة التي تصيب الجهاز التنفسي .  ويمكن الإطلاع على تفاصيل أبرز هذه الأبحاث في كتاب ” The Value of BCG and TNF in Autoimmunity ”  في نسختيه الأولى 2013 والثانية 2017 ، والصادر عن مؤتمر “BCG and TNF Signaling in the Treatment and Prevention of Autoimmune Diseases”  و الذي يلخص أهم الدراسات التي تمث على اللقاح من قبل أرقى المعاهد البحثية في العالم .

إن  فثرة قدرت اللقاح على تعزيز الجهاز المناعي  للانسان كانت  بحد ذاتها  محل نقاش واسع داخل الأوساط العلمية، فهناك من يتحدث عن تأثير محدود لا يتجاوز الأشهر ، بينما تتحدث دراسة أخرى عن تأثير دام لسنة على الأقل ² و دراسة ثانية أوضحت أن للقاح دورا طويل الأمد  يمتد لسنوات  ، حيث ساهم  لدى البعض في الحماية من سرطان الرئة لمن قام بالتطعيم في فترة الطفولة ³ .

هذه الميزات  تبقى محل تجاذب وشك ، فهناك من يقلل من أهميتها ودورها وهناك من يدعمها و يؤكد عليها ، لكنها تبقى بتأكيد هذه من أهم النقاط التي  دفعت الباحثين لدراسة لقاح bcg  بشكل أعمق .

نقطة مثيرة للاهتمام بين كورونا و  Bcg :

 

أثناء قيامنا بالبحث الحالي تبين لنا ترابط مثير في خريطة  إنتشار فيروس كورونا  ، حيث يزداد إنتشاره و تأثيره في الدول والمناطق التي منعت إستخدام لقاح bcg ،   أو تستخدمه  بشكل محدود جدا  . و رغم قلة هذه الدول إلا أنها شكلت 7 من أصل 10 دول الأكتر تأثرا بالفيروس ،  أما 3 دول الأخرى التي مازالت تستخدم لقاح  bcg فإن 2 منها إستطاعت السطيرة على إنتشار الفيروس وهما الصين و كوريا الجنوبية ، بإستثناء إيران .

و يمكن ملاحظة ذلك بشكل واضح في المقارنة بين خريطة أثار إنتشار فيروس كورونا ، حتى 26 مارس  2020و خريطة التوزيع الجغرافي لإستخدام لقاح bcg  .

خريطة إنتشار فيروس كورونا ، حتى 26 مارس 2020

خريطة إستعمال لقاح bcg 

إن تأثير اللقاح قد يكون أحد الأسباب وراء عدم إنتشار الفيروس بشكل كبير في الدول المحيطة بالصين ،  وذات الكثافه السكانية الكبيرة كالهند والتي تعد من أكتر الدول استخداما للقاح bcg .

وكدلك اليابان والتي تعد من أوائل الدول خارج الصين، التي أعلنت عن حالات إصابة بجائحة كوفيد- 19، ولكنها كانت بطيئة للغاية في الإستجابة لاجراءات الوقاية المشددة   ، حيث لم تغلق الحدود على الرغم من قربها من أصل الوباء في ووهان .

وللبحث أكتر في هذا الجانب قمنا بمقارنة بين دولتين تستخدمان لقاح bcg  * ، وهما اليابان و روسيا و دولتان لا تستخدمانه حاليا وهما إيطاليا و إسبانيا . كل الدول الأربعة سجلت أولى الحالات المؤكدة في نفس التاريخ تقريبا .

مع الأخد بعين الإعتبار نسبة مستعملي وسائل النقل العام بإعتبارها أحد أهم الأماكن التي تساهم في إنتشار الفيروسات  بين المواطنين .

  • مصادر:  6  ,  5

المفارقة المثيرة أيضا أن  اليابان و روسيا وهي دول تستعمل شعوبها وسائل النقل العام بمعدل الضعف تقريبا  عن  إيطاليا و  إسبانيا .   تبين ان تواجد المواطنين خارج المنازل أكبر نوع ما  من ايطاليا و اسبانيا  خلال هذه الفثرة . وهذا ما اتضح لنا من خلال رصد حركة المرور عن طريق خرائط غوغل  ، حيث تظهر نسبة الإكتظاظ باللون الاحمر و البرتقالي في شوارع موسكو و طوكيو  بشكل أكبر مقارنة مع مدريد و روما  بتاريخ 27   مارس الحالي .

الإكتظاظ في حركة المرور هو مؤشر على نسبة مهمة لتواجد  عدد من المواطنين  خارج المنازل و  تواجدهم في فضاء عام مشترك نسبيا ، بشكل خاص عند الحديث عن نسبة إستعمال مهمة لوسائل النقل العمومية تصل ل 62,5% مثلا في طوكيو عاصمة اليابان .

وكما تبين رغم وجود أرض خصبة لإنتشار الفيروس في اليابان و روسيا بسبب إرتفاع عدد السكان وعدد مستخدمي النقل العام  ، لكن مع  ذلك لم تتأثر هذه الدول بنفس الحجم كما حصل مع ايطاليا و اسبانيا .

هل  لقاح bcg    هو الحل  في مواجهة كورونا ؟

يتضح من المؤشرات السابقة أنه قد يكون للقاح bcg   حظوظ في مواجهة إنتشار فيروس كورونا  وهذا الذي تدعمه  أيضا بعض الدراسات التي أوضحت أن للقاح إمكانيات في الوقاية من بعض أنواع العدوى الفيروسية ،  ولكن رغم ذلك فإن الكثير من دول العالم  تصل نسبة تطعيم الساكنة فيها بلقاح  bcg  أكتر من 80 بالمئة  ،  سجلت إنتشارا مهما  لفيروس كورونا على أرضها  مابين حالات إصابات و وفيات.

وقد يكون هذا ناتج  عن  إختلاف تأثير اللقاح  بين الدول ،   فقد تبين أن اللقاح يتغير مفعوله بشكل متفاوت بناءا  على منشأه  و معدل الجرعات المستخدمة ، و مجموعة من العوامل منها الإختلافات الجينية و  العادات الغذائية بين السكان والتأثيرات البيئية  و التنوع الديمغرافي من  بلد الى أخر . بالإضافة الى إختلاف نظم برامج التطعيم وتأثير الفترات الزمنية لكل برنامج  وقد تطرق لبعض هذه الجوانب دراسة أجرتها جامعة هارفرد حديثا .

وتعد  الإجابة الواضحة على السؤال الأخير  ، رهينة الإختبار العلمي  ولا شئ  أخر ، وهذا دور المختصين وقد إنطلقت العديد من الدراسات  لبحث جدوى لقاح  bcg في القضاء على فيروس كورونا بدول كثيرة مثل هولاندا واستراليا و ألمانيا و اليونان  .

و من المهم التأكيد  بشدة على أنه رغم الحديث عن دور محتمل للقاح bcg  في الحد من إنتشار الوباء في بعض الدول لكن الأمر هو محل شك كبير،  وكما أكدنا سابقا ان حتى الدول التي تستخدم لقاح bcg فهي تسجل أعداد مهمة من الاصابات و الوفيات اليومية .

و في  إنتظار صدور نتائج الأبحاث ، يبقى الحل الوحيد حاليا  هو إتباع إجراءات الوقاية والنظافة والتباعد الإجتماعي  ، و الإلتزام بتعليمات الجهات المسؤولة لدولة للحد من إنتشار الوباء  وتجنب الإصابة به  و حماية نفسك و محيطك الإجتماعي .


المراجع:  اضغط على الرقم للوصول المباشر للمصدر الرئيسي 

 ¹  –   ²  – ³  –   –  –   –  –  – 

اترك رد